عبد الوهاب الشعراني

168

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان يقول لولا أن اللّه تعالى أدخل موسى عليه السلام في كنفة لأصابه عليه السلام ما أصاب الجبل وكان يقول في قوله تعالى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ « 1 » المستنبط هو الذي يلاحظ الغيب أبدا فلا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه شيء وقال في قوله لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ « 2 » المتوسم هو الذي يعرف الوسم وهو العارف بما في سويداء القلوب والاستدلال والعلامات فيميز أولياء اللّه تعالى من أعداء اللّه . وكان رضي اللّه عنه يقول إذا أراد اللّه عز وجلّ أن يوالى عبدا من عبيده فتح له باب ذكره فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب القرب ثم رفعه إلى مجلس الأنس ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب فأدخله دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظيمة فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ صار العبد فانيا فوقع في حفظ اللّه وبرئ من دعاوى نفسه ، وكان يقول أول مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق به فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده باللّه وحده وسئل رضي اللّه عنه هل يصل العارف إلى حال يجفو عليه البكاء ، قال نعم ، إنما البكاء في وقت سيرهم إلى اللّه عز وجل فإذا نزلوا إلى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره تعالى زال عنهم البكاء ولذلك ورد " فإن لم تبكوا فتباكوا " أي تنزلوا في المقام ليقتدى بكم السائرون . وكان لأبى سعيد ولد صالح فمات فرآه بعد وفاته فقال : يا بنى أوصني فقال : لا تجعل بينك وبين اللّه تعالى قميصا فما لبس أبو سعيد قميصا منذ ثلاثين سنة . وكان رضي اللّه عنه يقول ينبغي للصوفى أن يكون لطيف اللبسة ملازما للخلوة حسن الصانة فلا يطلب إلا عند وجود الفاقات وإلا فهو والكاذبون سواء وكان يقول أبعد الناس من اللّه عز وجلّ من يدعى المعرفة والقرب وأكثرهم إليه إشارة أمقتهم عنده ، وكان يقول لقيت مرة شخصا متظاهرا بالجنون فناديته قف يا مجنون فالتفت لي وقال لي : أتدرى من المجنون ؟ فقلت له : لا ، فقال : المجنون من يخطو خطوة ولم يذكر ربه فيها . وكان يقول لا يتصف عبد بالشرف حتى تصير الأذكار غذاءه والتراب فراشه وكان يقول : لا تغتر بصفاء العبودية فإن فيها نسيان الربوبية فقيل له فما الخلاص قال : أن يشهد صنع الربوبية في إقامة العبودية ، فينقطع عن نفسه ويسكن إلى ربه وهناك يسلم من الاستدراج . وسئل رضي اللّه عنه عن سبب معاداة الفقراء وبغضهم لبعضهم

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 83 ، ( 2 ) سورة الحجر : الآية 75 .